أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
46
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
شيئين ، لأنّهما بمعنى شيء واحد عبر عنه بلفظين على سبيل التأكيد ، ولذلك أشير إليهما بإشارة الواحد . وقرأ ابن عامر « تجمعون » بالتاء خطابا وهو يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون من باب الالتفات فيكون في المعنى كقراءة الجماعة ، فإن الضمير يراد به من يراد بالضمير في قوله : « فَلْيَفْرَحُوا » . الثاني : أنه خطاب كقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ ، وهذه القراءة تناسب قراءة الخطاب في قوله : « فَلْيَفْرَحُوا » ، وقد تقدم أن ابن عطية نقلها أيضا . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 59 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) قوله : أَ رَأَيْتُمْ . هذه بمعنى : أخبروني . وقوله : « ما أَنْزَلَ » يجوز أن تكون « ما » موصولة بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي : ما أنزله ، وهي في محل نصب مفعولا أولا . والثاني : هو الجملة من قوله « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ » والعائد من هذه الجملة على المفعول الأول محذوف تقديره : اللّه أذن لكم فيه ، واعترض على هذا بأن قول « قُلْ » يمنع من وقوع الجملة بعده مفعولا ثانيا . وأجيب عنه : بأنه كرر توكيدا ، ويجوز أن تكون « ما » استفهامية منصوبة المحل ب « أَنْزَلَ » ؛ وهي حينئذ معلقة ل « أَ رَأَيْتُمْ » وإلى هذا ذهب الحوفي والزمخشري ، ويجوز أن تكون « ما » الاستفهامية في محل رفع بالابتداء ، والجملة من قوله : « آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ » خبره ، والعائد محذوف كما تقدم ، أي : أذن لكم فيه ، وهذه الجملة الاستفهامية معلقة ل « أَ رَأَيْتُمْ » والظاهر من هذه الأوجه هو الوجه الأول ، لأن فيه إبقاء « أرأيت » على بابها من تعديها إلى اثنين ، وأنها مؤثرة في أولهما بخلاف جعل « ما » استفهامية فإنها معلقة ل « أرأيت » وسادة مسد المفعولين . وقوله : « مِنْ رِزْقٍ » يجوز أن يكون حالا من الموصول ، وأن يكون « مِنْ » لبيان الجنس ، و « أَنْزَلَ » على بابها ، وهو على حذف مضاف أي : أنزله من سبب رزق وهو المطر ، وقيل : تجوز بالإنزال عن الخلق كقوله : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ ، « 1 » وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ . « 2 » قوله : « أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ » في « أَمْ » هذه وجهان : أحدهما : أنها متصلة عاطفة تقديره : أخبروني اللّه أذن لكم في التحليل والتحريم فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم تكذبون على اللّه في نسبة ذلك إليه ؟ . والثاني : أن تكون منقطعة . قال الزمخشري : « ويجوز أن تكون الهمزة للإنكار ، و « أَمْ » منقطعة بمعنى ، بل أتفترون على اللّه ، تقريرا للافتراء . والظاهر هو الأول ، إذ المعادلة بين هاتين الجملتين اللتين بمعنى المفردين واضحة ، إذ التقدير : أي الأمرين واقع إذن لكم في ذلك أم افتراؤكم عليه .
--> ( 1 ) سورة الحديد ، آية : ( 25 ) . ( 2 ) سورة الزمر ، آية : ( 6 ) .